ابن العربي
1033
أحكام القرآن
الآية الموفية خمسين - قوله تعالى « 1 » : وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ . فيها ثلاث مسائل : المسألة الأولى - قوله : نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ : فيه قولان : أحدهما - إذا أنزلت سورة فيها فضيحتهم ، أو فضيحة أحد منهم جعل ينظر بعضهم إلى بعض ، يقول : هل يراكم من أحد إذا تكلّمتم بهذا فينقله إلى محمد ؟ وذلك جهل منهم بنبوّته ، وأنّ اللّه يطلعه على ما شاء من غيبه . الثاني - إذا أنزلت سورة فيها الأمر بالقتال نظر بعضهم إلى بعض نظر الرّعب ، وأرادوا القيام عنه ، لئلا يسمعوا ذلك ، يقولون : هل يراكم إذا انصرفتم من أحد ؟ ثم يقومون وينصرفون ، صرف اللّه قلوبهم . المسألة الثانية - قال ابن عباس : يكره أن يقال انصرفنا من الصلاة ؛ لأنّ قوما انصرفوا فصرف اللّه قلوبهم ولكن قولوا قضينا الصلاة . وهذا كلام فيه نظر ، وما أظنّه يصحّ عنه ؛ فإن نظام الكلام أن يقال : لا يقل أحد انصرفنا من الصلاة ، فإنّ قوما قيل فيهم : ثم انصرفوا صرف اللّه قلوبهم ، فإنّ ذلك كان مقولا فيهم ، ولم يكن منهم . وقد أخبرني محمد بن عبد الحكم البستي الواعظ ؛ قال : أخبرنا أبو الفضل الجوهري سماعا عليه ، يقول : كنّا في جنازة ، فقال المنذر بها : انصرفوا رحمكم اللّه فقال : لا يقل أحدكم انصرفوا ؛ فإن اللّه تعالى قال في قوم ذمّهم : ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ ، ولكن قولوا : انقلبوا رحمكم اللّه ؛ فإن اللّه تعالى قال في قوم مدحهم « 2 » : فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ . المسألة الثالثة - قوله : صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ إخبار عن أنه صارف القلوب ومصرّفها وقالبها ومقلّبها ردّا على القدرية في اعتقادهم أن قلوب الخلق بأيديهم وجوارحهم بحكمهم ،
--> ( 1 ) آية 127 . ( 2 ) سورة آل عمران ، آية 174